عبد الملك الجويني

18

الشامل في أصول الدين

فيخطر له خاطران ، يقدر في أحدهما أن له ربا خالقا أنعم عليه . ولو استدل ونظر وعرفه وشكره لأمن عقابه ورجا ثوابه ، ولو انكف عن الشكر ، فلا يأمن استيجاب العقاب ، فيركن إلى دعة الأمن في أحد خاطريه ، ويغلب على ظنه استيجاب العقاب في الخطرة الثانية ، فيوجب عليه مقتضى العقل التمسك بسبب الأمن ومحاذرة الخوف . قالوا : فهذا سبيل استدراك وجوب النظر وغيره من واجبات العقول . ثم ألزمونا على موجب أصلنا ، سؤالا ، وهو من أعظم تلبيساتهم . فقالوا : فيما صرتم إليه ، سقوط حجج الأنبياء ، واستعلاء كلمة الجاحدين . وذلك أن الرسول إذا ظهر وادعى النبوة وأظهر المعجزة وتحدى الخلائق ، ودعاهم إلى النظر في حاله ، والاستدلال بمعجزته على صدقه . فلو أبوا ، وقالوا : لم تسبق لنا دلالة على وجوب النظر إذ لم يتقرر شرع من قبل ، ولا يوجب العقل علينا النظر ، ولا يجب علينا النظر إلا بعد المعرفة بثبوت نبوتك واستقرار شريعتك ، ولو عرفنا ذلك لم نحتج إلى النظر . فوجوب النظر موقوف على ثبوت ما لو ثبت ، ليستغني عن النظر ، وهذا تصريح بنفي وجوب النظر . وهذا لو ثبت لبطلت دعوة الأنبياء ودحضت حجتهم . الجواب عن تمويههم من أوجه : أحدها : أن نعارض ما ألزمونا بعد ظهور النبي بمقتضى أصلهم في درك العقل فنقول لهم : أليس الطريق إلى درك وجوب النظر على زعمكم ما قدمتموه من تقابل الخاطرين ، وتعرض الخوف في أحدهما ، فما قولكم في عاقل غفل وذهل عن الخاطرين جميعا ، وأضرب عنهما ؟ فهل يتصور منه الوصول إلى معرفة وجوب النظر ؟ فإن تعسف متعسف وزعم أنه يدرك الوجوب مع الذهول عن الخواطر المبعوثة ، طولب بوجه إنكار الوصول وطريقه ، فلا يجد إلى إبدائه سبيلا . وإن زعموا أنه لا يتوصل إلى معرفة الوجوب إلا بالخاطرين ، وهذا مذهب القول . قيل لهم : فكيف سبيل وصول الذاهل الغافل عنهما ؟ فإن قالوا : من كمل عقله فلا بد أن يحصل له ما قلناه . قلنا لهم : هذا تدليس منكم . فإن الخواطر لا تخلو : إما أن تكون مقدورة للناظر ؛ أو تقع ضرورية . فإن كانت مقدورة ، فمن حكم القادر على أصول المعتزلة أن يتخير لإيجاد مقدوره والانكفاف عنه . فإذا تعين إيجاده لخاطريه ، وهذا لا محيص لهم عنه . وإن زعموا أن الخواطر تقع ضرورية ، كان ذلك ساقطا من أوجه : أحدها : أن ما ذكروه بهت صريح . فإنا نجد في مجاري العادات طوائف من العقلاء غافلين عن هذه